العدد ١٧ · ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
كم شيء فيك أنت اخترته؟
صباح الخير 🌝

أهلًا،
لو طلبت منك أن تعرّف نفسك الآن، ستبدأ غالبًا بأشياء لم تختر معظمها: اسمك، عائلتك، مدينتك، لغتك، وربما عملك. بعدها ستصل إلى المنطقة التي تبدو شخصية أكثر: ذوقك، طباعك، الأشياء التي تحبها، وما ترفضه. هنا عادة نشعر أننا بدأنا نتحدث عن أنفسنا فعلًا.
لكن حتى هذه المنطقة ليست خالصة لنا كما نتصور.
فكر في أول مرة قلت فيها إنك شخص هادئ أو عصبي. هل اكتشفت ذلك وحدك، أم سمعتها كثيرًا من أهلك حتى أصبحت جزءًا من تعريفك؟ وفكر في شيء لا تأكله. هل ذقته ورفضته، أم كبرت في بيت لا يطبخه أصلًا؟ حتى فكرتك عن النجاح غالبًا وصلت إليك قبل أن تسأل نفسك ماذا تريد: وظيفة معروفة، راتب أعلى، بيت، زواج، أو مشروع يقول للناس إنك ناجح.
نحن نختار، لكننا لا نبدأ الاختيار من مكان فارغ.
الأشياء التي تصل قبلنا
الطفل لا يدخل البيت يراقب سكانه كأنه باحث. هو يرى كيف يتحدث الكبار عن المال، ومن يحق له أن يغضب، وما الذي يستدعي الخجل، وكيف يُعبّر الناس عن الحب. يتعلم أن بعض الأسئلة عيب، وأن بعض المهن ترفع الرأس، وأن الضيف يجب أن يرى أفضل نسخة من البيت مهما كان يوم أهله سيئًا.
هذه التفاصيل لا تُقدَّم له في كتاب اسمه «كيف تصبح واحدًا منا». تصل من تكرار المشاهد. يسمع جملة في السيارة، ويرى ردة فعل على مائدة العشاء، ويلاحظ أن شخصًا يمدحه الجميع وشخصًا آخر يتجنبون الحديث عنه. بعد سنوات، يستخدم هذه المشاهد في الحكم على نفسه والعالم، وكأنها قواعد عرفها وحده.
ثم تأتي المدرسة والأصدقاء والإنترنت والعمل. كل مكان يضيف نسخة صغيرة إلى تعريفنا. قد تدخل أول وظيفة وأنت مرتاح في الكلام، ثم تعمل مع مدير يعامل كل سؤال كدليل على ضعفك. بعد مدة تبدأ في مراجعة رسائلك أكثر من مرة. لاحقًا تقول: «أنا أدقق في كل شيء». تبدو صفة، بينما هي في جزء منها طريقة تعلّمت بها أن تحمي نفسك.
حتى الأشياء الجميلة تتكوّن بالطريقة نفسها. شخص شجّعك في وقت مبكر، فصار التعبير سهلًا عليك. بيت كان الاعتذار فيه طبيعيًا، فكبرت وأنت لا ترى الاعتذار هزيمة. معلم أخذ سؤالك بجدية، فتعلمت أن فضولك يستحق أن يُسمع.
هناك أيضًا صفات بدأت من دور احتاجته العائلة. طفل يصبح المهدئ بين والديه، فيكبر وهو يشعر بمسؤولية عن راحة كل من حوله. آخر يُعرف بأنه المتفوق، فيتعلم أن مكانه مضمون ما دام يحقق نتيجة عالية. وثالث يأخذ دور المضحك، لأن الضحك يمنحه انتباهًا لا يعرف طريقة أخرى للحصول عليه. الدور يساعد البيت على الحركة، ثم يخرج صاحبه إلى العالم وهو يظن أنه ملزم بأدائه في كل علاقة.
أنا كذا
الجملة الأكثر راحة في وصف النفس هي: «أنا كذا أو هذا أنا». تقفل الموضوع بسرعة. أنت عصبي، أو حساس، أو لا تثق بأحد، أو لا تحب المناسبات. وحين تتحول الصفة إلى هوية، يصعب الاقتراب منها. تغيير التصرف يبدو وقتها كأنه تخلٍ عن نفسك.
التعريفات مفيدة؛ فهي تختصر علينا شرح أنفسنا كل مرة. لكنها تجعلنا نلتقط الأدلة التي توافقها بسرعة. من يرى نفسه خجولًا يتذكر المواقف التي صمت فيها، وقد لا يحسب الساعات التي تحدث فيها براحة مع شخص يأمن له. ومن يقول إنه لا يكمل شيئًا، يضع المشاريع المتوقفة أمامه ويتجاوز الأشياء الصغيرة التي واصلها لسنوات لأنها لا تشبه الصورة التي كوّنها عن نفسه.
لهذا نبدو أحيانًا كأشخاص مختلفين حسب المكان. شخص قليل الكلام في اجتماع العمل، لكنه يقود الحديث كاملًا مع أصدقائه. شخص كريم مع الآخرين ودقيق جدًا في مصروفه الشخصي. وآخر يبدو واثقًا أمام الناس ثم يتردد طويلًا في قرار يخصه وحده. أي نسخة منها هي الحقيقية؟ كلها. الموقف لا يكشف الشخصية فقط؛ يشارك في تشكيل ما يظهر منها.
حتى داخل البيت نفسه لا يخرج الأبناء بنسخة واحدة. يعيش أخوان مع الوالدين نفسيهما، ثم يتذكر كل واحد بيتًا مختلفًا قليلًا. الأكبر عرف أبًا في بداية حياته المهنية، والأصغر عرفه بعد سنوات من الخبرة والهدوء. أحدهما كان الطفل الذي تُطلب منه المسؤولية، والآخر جاء إلى عائلة تعرف التعامل مع الأطفال أكثر. المكان واحد على الورق، بينما التجربة لم تكن متطابقة.
البحث في تطور الشخصية يقدم صورة أهدأ. دراسة تحليلية جمعت أبحاثًا ممتدة عبر مراحل عمرية مختلفة وجدت أن استقرار الشخصية يتأثر بعوامل وراثية وبيئية معًا. أثر البيئة نفسه يصبح أكثر ثباتًا مع التقدم في العمر؛ لأن الإنسان يراكم علاقات وأدوارًا وتجارب، ثم يبدأ أيضًا في اختيار البيئات التي تناسب ميوله. الشخص الاجتماعي يبحث عن مجال يعطيه مزيدًا من الناس، ومن يميل إلى الحذر قد يبني حياة تقل فيها المفاجآت. مع الوقت، نحن لا نتأثر ببيئتنا فقط؛ نشارك في صنع البيئة التي تعيد تأكيدنا.
وهذا يفسر لماذا تبدو بعض الصفات قديمة جدًا. تتكرر الصفة، ثم نبني حولها اختيارات، وبعدها تعود الاختيارات لتقوّي الصفة. تتشكل دائرة تجعل قول «هذه شخصيتي» مقنعًا جدًا.
لكن الشخصية ليست سجنًا محكمًا. الاستقرار يعني أن أنماطنا تميل إلى الاستمرار، ولا يعني أن الإنسان يتوقف عن التغير. وظيفة جديدة، علاقة آمنة، خسارة، انتقال إلى مدينة مختلفة، أو سنوات من الوعي؛ كلها تستطيع تحريك ما ظنناه ثابتًا. التغيير غالبًا أبطأ من اللحظة التي نعلن فيها أننا سنتغير، ولهذا لا نلاحظه إلا بعد أن نبتعد قليلًا عن النسخة السابقة منا.
أين تبدأ أنت
قد يبدو السؤال «كم شيء فيك اخترته؟» كأنه يشكك في كل ما تحبه. المقصود أبسط: أن ترى الطريق الذي وصلت منه الأشياء إليك. عندما تعرف أن خوفك من الخطأ بدأ في مكان كان الخطأ فيه مكلفًا، يصبح خوفك مفهومًا. وعندما تلاحظ أن تعريفك للنجاح مأخوذ من شخص تحبه، تستطيع أن تسأل إن كان لا يزال يناسب حياتك.
وينطبق ذلك حتى على الذوق. قد تحب نوعًا من الموسيقى لأنه كان يعمل في سيارة شخص عزيز، أو ترتاح لرائحة معينة لأنها ارتبطت ببيت قديم، أو ترفض أسلوبًا في اللباس لأن المجموعة التي أردت الانتماء إليها كانت تسخر منه. هذه التفضيلات حقيقية، حتى لو كان لها أصل خارجك. معرفة الأصل لا تفسدها؛ تجعل قصتها أوضح.
الذاكرة نفسها لا تحفظ كل شيء بالتساوي. نحن نستدعي لحظات تؤيد القصة التي نعرفها عن أنفسنا، وننسى لحظات لا تخدمها. إذا كانت قصتك أنك دائمًا الطرف الذي يُترك، ستنتبه بسرعة إلى التأخر والفتور، وقد تمر عليك إشارات القرب كأنها استثناء. القصة لا تختلق الأحداث، لكنها ترتبها وتمنح بعضها وزنًا أكبر.
الفهم هنا لا يمحو أثر الماضي، لكنه يعيد لك مساحة صغيرة. تستطيع أن تبقي ما يناسبك، وأن تعيد النظر في شيء ظل معك لأنك لم تنتبه إليه. بعض ما ورثناه جميل ويستحق أن نحمله. وبعضه أدى غرضه في وقت سابق، ثم بقي بعد انتهاء الحاجة إليه.
وقد يكون الاختيار أحيانًا هادئًا جدًا. أن تتوقف عن الاعتذار قبل كل طلب. أن تسمح لنفسك بتجربة شيء كنت تسخر منه. أن تقبل وظيفة لا يفهمها محيطك فورًا. لا تبدو هذه القرارات إعادة بناء للشخصية، لكنها ترسل لها دليلًا جديدًا: أستطيع أن أتصرف بطريقة أخرى، وما زلت أنا.
ربما لا توجد نسخة أصلية منك مختبئة تحت كل هذه الطبقات وتنتظر أن تكتشفها. أنت أيضًا ما فعلته بهذه الطبقات: ما احتفظت به، وما عدلته، وما قاومته، وما أضفته عندما اتسعت حياتك. لذلك لا يحتاج السؤال إلى إجابة نهائية. يكفي أن يفتح بينك وبين الجملة القديمة مسافة تسمح لك بالنظر.
جرّب أن تختار صفة تكررها عن نفسك. لا تحاكمها. اسأل فقط: متى تظهر؟ مع من؟ ما أقدم موقف تتذكره لها؟ وما الذي تحاول أن تحميك منه؟ أحيانًا ستجد الصفة فعلًا جزءًا أصيلًا منك. وأحيانًا ستجد قصة قديمة لبست شكل الشخصية.
ربما تبدأ معرفة الإنسان عندما يتوقف عن اعتبار نفسه شيئًا مفهومًا.
إلى صباح الأحد القادم،

