العدد ١٩ · ٥ أكتوبر ٢٠٢٦
متى يتعلم الطفل أن يخفي مشاعره؟
صباح الخير

أهلًا،
يبكي طفل لأن لعبته انكسرت.
بالنسبة للكبير، اللعبة رخيصة ويمكن استبدالها غدًا. بالنسبة للطفل، الذي حدث الآن كبير بما يكفي للبكاء.
يقول له أحدهم: «ما تستاهل كل هذا». قد يسكت الطفل فعلًا. ويبدو أن المشكلة انتهت.
لكنه في تلك اللحظة تعلّم شيئًا يتجاوز اللعبة: أن حجم شعوره يُقاس برأي الشخص الذي أمامه، وأن بعض المشاعر تجعل الناس ينزعجون منه، وأن أسرع طريقة لاستعادة الهدوء هي أن يخفي ما يشعر به.
الطفل لا يتعلم أسماء المشاعر فقط. يتعلم أيها مسموح، وأيها يجب أن يختفي.
الطفل يقرأ الرد
لا يحتاج البيت إلى أن يقول صراحة: «لا تعبّر عن حزنك». تكفي ردود متكررة. يتألم فيُضحك عليه. يخاف فيُقارن بأخيه. يغضب فيُرسل إلى غرفته قبل أن يفهم ما الذي أغضبه. يفرح بشيء لا يراه الكبار مهمًا، فيجد وجوهًا باردة.
ويراقب الطفل أيضًا ما يفعله الكبار بمشاعرهم. أب يقول له إن الغضب غير جيد ثم يرفع صوته عند أول ضغط. أم تطلب منه أن يتحدث عما يزعجه، لكنها تخفي حزنها دائمًا وتقول إن كل شيء بخير. الطفل يلتقط التناقض. يتعلم من التصرف المتكرر أكثر مما يتعلم من العبارة الصحيحة.
ولا يحتاج الكبير إلى رد مثالي في كل مرة. قد ينفعل، يقلل من شعور الطفل، ثم يعود ويقول: «أنا استعجلت فهمني وش صار». العودة نفسها درس يتعلم الطفل أن العلاقة تتحمل الخطأ، وأن الكلام يمكن أن يُستأنف بعد لحظة سيئة.
مع الوقت، لا يتعلم الطفل كيف يهدأ فقط، يتعلم كيف يحافظ على علاقته بمن حوله، وإذا كان البكاء يجلب السخرية، سيقاوم البكاء. إذا كان الغضب يجعل الحب يُسحب منه، سيضع الغضب في مكان آخر. قد يتحول إلى صداع، أو صمت، أو انفجار بعيد عن السبب الأصلي.
وهنا تظهر نقطة يسهل تجاهلها: إخفاء الشعور قد يكون تصرفًا ذكيًا في بيئة معينة. الطفل يعتمد على الكبار ولا يملك مغادرة المكان أو شرح احتياجه بدقة. يتكيف مع القواعد الموجودة. ما يبدو لاحقًا عجزًا عن التعبير ربما بدأ كطريقة ناجحة لتقليل الرفض أو العقاب.
أحيانًا يختفي اسم الشعور ويبقى أثره في الجسد. الطفل لا يقول إنه قلق، لكنه يشتكي من بطنه قبل المدرسة. لا يقول إنه غاضب، لكنه يرفض ارتداء ملابسه أو يبدأ شجارًا على تفصيل صغير. الكبار يرون السلوك المزعج ويحاولون إيقافه، بينما الشعور الذي يدفعه يظل بلا لغة.
دراسة منشورة في 2003 بحثت العلاقة بين إبطال مشاعر الطفل والضيق النفسي في مرحلة البلوغ. وجدت ارتباطًا بين تذكّر ردود أبوية تقلل من المشاعر أو تعاقبها وبين الميل المزمن إلى كبت المشاعر والأفكار، وأن هذا الكبت ارتبط بدوره بأعراض القلق والاكتئاب. الدراسة اعتمدت على استرجاع بالغين لتجاربهم، لذلك لا تكفي وحدها لإثبات سبب مباشر. لكنها توضح مسارًا نراه في الحياة: ما يساعد الطفل على تجنب الرفض قد يستمر بعد أن يكبر ويتغير المكان.
المشاعر المسموحة
كل بيت لديه قائمة غير مكتوبة. قد يكون الحزن مقبولًا والغضب مرفوضًا. قد يُسمح للولد أن يغضب ولا يُسمح له أن يخاف، بينما تُقبل دموع البنت ويُستنكر صوتها العالي. وقد تكون العائلة كلها بارعة في المزاح وقت الألم، حتى يصبح الضحك الطريقة الوحيدة للمرور من موقف ثقيل.
وتتسع القائمة خارج البيت، المدرسة تكافئ الطفل الذي يجلس بهدوء حتى لو كان الهدوء خوفًا. الأصدقاء يحددون ما الذي يبدو قويًا وما الذي يجلب السخرية. ومع العمر، يتعلم الإنسان تبديل وجهه بحسب المجموعة: مشاعر تظهر مع الأصدقاء، وأخرى لا يسمح بها لنفسه حتى عندما يكون وحده.
لهذه القواعد جانب اجتماعي مفهوم. لا يمكن لأي شخص أن يعبّر عن كل شعور فور ظهوره وفي أي مكان. نتعلم التأجيل، واختيار الشخص المناسب، وطريقة التعبير التي لا تؤذي الآخرين. الصعوبة تبدأ عندما يتحول التنظيم إلى اختفاء كامل، أو حين يفقد الإنسان القدرة على معرفة الشعور قبل أن يقرر كيف يعبّر عنه.
هذه القواعد لا تأتي دائمًا من قسوة. أحيانًا يكون الأب أو الأم عاجزًا أمام شعور الطفل لأنه لم يتعلم التعامل مع شعوره هو. يريد إنهاء البكاء بسرعة لأنه يوقظ داخله توترًا لا يعرف ماذا يفعل به. يقول «خلاص» وهو يقصد: لا أستطيع البقاء مع هذا الشعور طويلًا.
وبعض العبارات تحمل نية طيبة: «لا تخاف»، «الأمر بسيط»، «انس الموضوع». صاحبها يريد التخفيف. لكن الطفل قد يسمع معنى آخر: إحساسي غير صحيح. الفرق دقيق بين تهدئة الطفل وإلغاء ما يشعر به. تستطيع أن تقول له إن المكان آمن مع الاعتراف بأنه خائف. تستطيع رفض ضربه لأخيه مع الاعتراف بأنه غاضب. الشعور والتصرف شيئان مختلفان، والطفل يحتاج من يساعده على الفصل بينهما.
هذا الفصل يحمي الطفل والآخرين معًاالاعتراف بالغضب لا يعطيه إذنًا بالكسر، والاعتراف بالغيرة لا يبرر الأذى. الرسالة تصبح واضحة: ما تشعر به يمكن الحديث عنه، وما تفعله له حدود. حين يُرفض الشعور والسلوك في جملة واحدة، يصعب على الطفل فهم أي جزء منه كان المشكلة.
حين يُسمى الشعور، يصبح أقل غموضًا. «أنت زعلان لأن لعبتك انكسرت» لا تعيد اللعبة، لكنها تمنح الطفل لغة لما يحدث داخله. بعدها يمكن الحديث عن الحل. أما القفز مباشرة إلى الحل فيترك الشعور بلا اسم، وكأن المطلوب من الطفل أن يدير شيئًا لم يتعلم التعرف عليه بعد.
ما نحمله معنا
يكبر الطفل، وتتغير المفردات، وتبقى القواعد القديمة تعمل. يسأله شخص قريب: «وش فيك؟» فيقول: «ما فيني شيء». هو يعرف أن هناك شيئًا، لكنه لا يعرف أين يبدأ. قد يشعر بضيق واضح في جسده، ويقضي ساعات يبحث عن تفسير منطقي يسمح له بالكلام.
وشخص آخر لا يطلب المساعدة حتى في أصعب أيامه. تعلّم مبكرًا أن الحاجة تثقل على الناس. وآخر يحول كل مشاعره إلى غضب لأن الغضب كان الشعور الوحيد الذي لا يجعله يبدو ضعيفًا. نحن نرى التصرف النهائي، وتغيب عنا السنوات التي دربته.
تظهر القاعدة القديمة بوضوح في العلاقات القريبة. قد يقترب منك شخص آمن، ومع ذلك تخفي عنه ما يزعجك. تنتظر منه أن يفهم وحده، ثم تغضب لأنه لم يفهم. جزء منك يريد القرب، وجزء آخر يتذكر أن الكلام كان مكلفًا. العلاقة الحالية تستقبل ردًا صُمم في علاقة سابقة.
لهذا قد يكون وجود شخص يسمع دون سخرية تجربة جديدة فعلًا، حتى لو بدت المحادثة عادية من الخارج. في المرات الأولى، ينتظر الإنسان العقوبة القديمة: تغيير الموضوع، التقليل، أو استخدام كلامه ضده لاحقًا. وحين لا تحدث، يبدأ جسده في تعلم قاعدة أخرى ببطء.
وقد تبدأ إعادة التعلم من ملاحظة بسيطة: ماذا يحدث في جسدي قبل أن أقول «أنا بخير»؟ انقباض في الصدر، حرارة في الوجه، رغبة في مغادرة المكان. الجسد أحيانًا يصل إلى الشعور قبل الكلمة. تتبع هذه الإشارات يمنح الإنسان وقتًا بين الإحساس ورد الفعل المعتاد.
هذا لا يعني أن كل شخص قليل التعبير عاش طفولة مؤذية، ولا أن الصمت مشكلة في كل مرة. الناس يختلفون في طباعهم وثقافاتهم وطريقة تنظيمهم لمشاعرهم. المهم هو الحرية: هل تستطيع أن تعبّر حين تريد؟ هل تعرف أصلًا ما الذي تشعر به؟ أم أن الصمت يحدث تلقائيًا حتى مع الأشخاص الذين تأمن لهم؟
يمكن للإنسان أن يتعلم لغة المشاعر متأخرًا. يبدأ بكلمات بسيطة، وبملاحظة الجسد، وبشخص لا يستعجل منه الإجابة. قد يقول في البداية: «أنا متضايق». وبعد وقت يكتشف أن الضيق خليط من خيبة وخوف وغضب. الاسم لا يحل كل شيء، لكنه يجعل التعامل مع الشيء ممكنًا.
ولا يعني التعلم أن يتحول الإنسان إلى شرح مفتوح طوال الوقت. قد يختار الخصوصية، أو يؤجل الحديث حتى يهدأ، أو يشارك جزءًا فقط. الفرق أنه يعرف أن لديه خيارًا. يستطيع الكلام عندما يحتاج، والصمت عندما يريد، بدل أن تكون القاعدة القديمة هي التي تقرر عنه في كل مرة.
بعض الناس لا يخفون مشاعرهم لأنهم لا يشعرون. يخفونها لأنهم تعلّموا مبكرًا أن ظهورها يكلّفهم شيئًا.
إلى الأحد القادم،
مشعل

